عبد الملك الجويني
116
الشامل في أصول الدين
فلا يخلو : إما أن يقدر وجوده في الوقت المعين واجبا ، أو يقدر جائزا . فإن قدر مقدر وجوده في الوقت المخصوص واجبا متعينا ، كان ذلك باطلا من أوجه : أحدها : أنه لو وجب له الوجود في وقت مخصوص ، لما كان هو بوجوب الوجود له أولى من سائر ما يماثله ، إذ من حكم المتماثلات استواؤها في الواجبات والجائزات . فلو وجب الوجود لجوهر في وقت ، لزم ذلك في كل جوهر حتى توجد الجواهر دفعة واحدة . وكذلك القول في الأعراض المتجانسة ، فلما وجدنا [ المتماثلات ] « 1 » يتقدم بعضها ويتأخر بعضها ، استبان بذلك أن الوجود غير واجب بشيء منها . ومما يوضح ذلك أن تقدير وجوب الوجود في وقت كتقديره في وقت قبله أو وقت بعده ، إذ الأوقات فيما يتعين متماثلة ، ووجه ادعاء الوجوب في بعضها كوجه ادعائه في سائرها ، ووجوب الوجود ليس يتفاوت في نفسه ، فلا معنى لاختصاص وجوب الوجود بوقت دون وقت . وهذا واضح لا خفاء به ، والذي يحقق ذلك أيضا : أنه لو جاز تقدير ثبوت أحد الحكمين على الوجوب ، ليستقل الواجب بوجوبه عن اقتضاء مقتض ، لزم طرد ذلك في الأحكام المعتورة على الجواهر ، حتى يقال : إذا تحرك الجوهر في وقت ، فقد وجب له التحرك في ذلك الوقت المعين ، فلا يفتقر إلى زائد يقتضي له التحرك . وهذا يفضي إلى نفي الأعراض وقد سبق إثباتها . ومما يوضح ما قلناه : إنا لو سلمنا وجوب الوجود في وقت معين جدلا ، لما قدح ذلك في مقصدنا من الدلالة ، ولا طردت الدلالة في وجوب الوجود على القائلين به كما اطردت في الوجود . وإيضاح ذلك : أن الوجوب الذي ادعاه المدعي مستحدث ، وإضافته إلى وقت كإضافته إلى غيره ، فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم المستحدث - ونعني الوجوب - إلا باقتضاء مقتضي . وسلك بعض الأئمة مسلكا آخر فقال : لو كان الحادث واجب الوجود ، والقديم واجب الوجود ، لما تميز وجود القديم عن وجود الحادث المحدث . ولو كان جاز حادث واجب وجوده ، لجاز قديم جائز وجوده ، ولو جاز وجود القديم لجاز عدمه . وقد وضح الدليل على استحالة عدم القديم . وأحسن الطرق وأولاها أن نقول : المصير إلى وجوب الحادث يفضي إلى القول باستحالة ما علم جوازه بضرورة العقل ، وإيضاح ذلك أن قول القائل بوجوب وجود الحادث في وقت مخصوص ، يوجب عليه القول باستحالة تقدير استمرار العدم في الوقت المعين بدلا عن الوجود .
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .